لماذا نستمر في التعلّم عندما لا يجبرنا أحد؟😁
الفضول والدافعية والتعلم في عصر وفرة المعلومات
بقلم: فريق تحرير MindScope
المقدمة
أصبح الوصول إلى المعرفة في عصرنا أسهل من أي وقت مضى. يستطيع الطالب اليوم الوصول خلال دقائق إلى الكتب والدورات والمحاضرات والأبحاث العلمية والمصادر التعليمية من مختلف أنحاء العالم، كما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تقديم الشروحات والإجابات بصورة فورية. ومع ذلك، فإن سهولة الوصول إلى المعلومات لم تؤدِّ بالضرورة إلى زيادة الرغبة في التعلم أو القدرة على الاستمرار فيه. فقد يمتلك الطالب مئات المصادر التعليمية، ثم يجد نفسه غير قادر على إكمال كتاب واحد أو دورة بدأها بحماس. وهذا التناقض يطرح سؤالًا مهمًا: إذا أصبحت المعرفة متاحة بهذه السهولة، فما الذي يجعل الإنسان يرغب في الاستمرار في طلبها؟
لفهم هذه المسألة، لا يكفي النظر إلى التعلم باعتباره عملية للحصول على المعلومات أو اجتياز الاختبارات، بل ينبغي النظر إليه أيضًا بوصفه نشاطًا تحركه دوافع نفسية، ويتأثر بالفضول والشعور بالكفاءة والاستقلالية والعلاقات التي يعيشها المتعلم داخل البيئة التعليمية. وتقدم نظرية تقرير المصير إطارًا علميًا مهمًا لفهم هذه الجوانب، إذ ترى أن الاستقلالية والكفاءة والارتباط بالآخرين تمثل حاجات نفسية أساسية ترتبط بجودة الدافعية والنمو والمشاركة في النشاط (Ryan & Deci, 2020).
عندما يتحول السؤال إلى بداية للتعلم
قد يبدأ التعلم الحقيقي أحيانًا قبل أن نعرف الإجابة، وذلك عندما يظهر سؤال يجعلنا نشعر بأن هناك شيئًا ناقصًا في معرفتنا. قد يتساءل الطالب، على سبيل المثال، لماذا يستطيع تذكر بعض الأحداث التي وقعت قبل سنوات بينما ينسى أحيانًا ما قرأه في اليوم السابق، أو لماذا ينتشر مرض معين في مجتمع أكثر من مجتمع آخر، أو كيف يستطيع الدماغ تكوين الذكريات. في هذه اللحظة لا تكون المعلومة هي نقطة البداية، بل السؤال.
وهذا الجانب من التعلم مهم لأن الفضول يمكن أن يدفع الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي يحتاج إليها من أجل تقليل حالة عدم اليقين أو سد الفجوة التي يشعر بها بين ما يعرفه وما يريد معرفته. وقد تناولت أبحاث علم النفس المعرفي الفضول بوصفه حالة معرفية تدفع الإنسان إلى البحث عن المعلومات، وليس مجرد اهتمام عابر بموضوع ما (Loewenstein, 1994).
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تختلف تجربة الطالب عندما يُطلب منه حفظ معلومة عن تجربة الطالب الذي يريد معرفة سبب حدوثها. في الحالة الأولى قد يكون الهدف هو إكمال المهمة، أما في الحالة الثانية فقد تصبح المعرفة وسيلة للإجابة عن سؤال شخصي نشأ لدى المتعلم نفسه.
الدافعية ليست شيئًا واحدًا
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الدافعية وكأنها قوة واحدة إما أن يمتلكها الإنسان أو يفتقدها. في الواقع، يمكن أن تختلف أسباب قيام الشخص بالنشاط نفسه اختلافًا كبيرًا. فقد يدرس الطالب لأنه يخشى الرسوب، أو لأنه يريد الحصول على درجة مرتفعة، أو لأنه يشعر بأن المادة مهمة لمستقبله، أو لأنه يستمتع بفهمها. وعلى الرغم من أن هذه الدوافع قد تؤدي جميعها إلى الدراسة، فإنها ليست متساوية من الناحية النفسية.
تشير نظرية تقرير المصير إلى أهمية التمييز بين الدوافع المختلفة، وتوضح أن الدافعية الداخلية والخارجية يمكن أن تتخذ أشكالًا متعددة، وأن جودة الدافع لا تعتمد فقط على وجود مكافأة أو عقوبة، وإنما على مدى شعور الفرد بالاختيار والمعنى والاندماج في النشاط (Ryan & Deci, 2020).
وقد وجد Deci et al. (1991) أن فهم الدافعية في التعليم يتطلب تجاوز فكرة أن المكافآت الخارجية هي الوسيلة الوحيدة لتحفيز المتعلم، والنظر بدلًا من ذلك إلى الطريقة التي تُبنى بها البيئة التعليمية ومدى دعمها للدافعية الذاتية والاستقلالية.
أن يشعر المتعلم بأنه قادر على التقدم💘
هناك تجربة بسيطة لكنها عميقة يعيشها معظم المتعلمين: موضوع كان يبدو مستحيلًا في البداية يصبح مفهومًا بعد عدة محاولات. وقد تكون هذه التجربة أهم من مجرد الحصول على درجة مرتفعة، لأنها تمنح المتعلم إحساسًا بأنه أصبح أكثر قدرة مما كان عليه سابقًا.
تسمى هذه الحاجة في نظرية تقرير المصير الكفاءة (Competence)، وهي الشعور بالقدرة على التعامل مع المهام والتحديات وتحقيق تقدم فعلي فيها. ويشير Ryan and Deci (2020) إلى أن الشعور بالكفاءة يمثل إحدى الحاجات النفسية الأساسية التي تؤثر في الدافعية والاستمرار.
ولهذا السبب قد يكون تقسيم التعلم إلى أهداف قابلة للتحقق أكثر فائدة من وضع أهداف ضخمة وغامضة. فالطالب الذي يقول "أريد أن أصبح خبيرًا في علم البيانات" قد لا يرى نتيجة مباشرة، بينما الطالب الذي يقول "أريد أن أفهم اليوم كيفية تفسير معامل الارتباط" يستطيع أن يلاحظ تقدمًا ملموسًا. ومع تراكم هذه الإنجازات الصغيرة يبدأ الشعور بالقدرة في دعم الرغبة في الاستمرار.
الحرية لا تعني غياب التوجيه👍
قد يعتقد البعض أن دعم استقلالية الطالب يعني تركه يتعلم بالطريقة التي يريدها دون توجيه. لكن المقصود بالاستقلالية في نظرية تقرير المصير ليس غياب التعليم أو النظام، وإنما أن يشعر المتعلم بأن لديه قدرًا من الاختيار وأن ما يقوم به يتوافق مع أهدافه وقيمه.
وأوضح Niemiec and Ryan (2009) أن البيئات التعليمية التي تدعم الاستقلالية والكفاءة والارتباط يمكن أن تساعد على تعزيز أشكال أكثر جودة من الدافعية، في حين أن البيئات التي تعتمد بصورة مفرطة على السيطرة قد تضعف الشعور بالملكية النفسية للتعلم.
ولهذا يمكن للمدرس أن يضع أهدافًا واضحة للطالب، ثم يمنحه مساحة لاختيار مثال أو سؤال أو موضوع فرعي يريد التعمق فيه. بهذه الطريقة لا يختفي التوجيه، وإنما يصبح جزءًا من بيئة يشعر فيها المتعلم بأنه مشارك في عملية التعلم وليس مجرد منفذ للتعليمات.
نحن لا نتعلم في فراغ💢
على الرغم من أن القراءة والدراسة قد تبدوان نشاطين فرديين، فإن التعلم الإنساني يحدث غالبًا داخل سياق اجتماعي. فالطالب يتعلم من المعلم، ويناقش زملاءه، ويستفيد من الباحثين، ويقارن أفكاره بأفكار الآخرين، وقد يتغير فهمه لموضوع كامل بسبب سؤال طرحه شخص آخر.
ولهذا يمثل الارتباط بالآخرين (Relatedness) البعد الثالث في نظرية تقرير المصير إلى جانب الاستقلالية والكفاءة. ويشير Ryan and Deci (2020) إلى أن الشعور بالارتباط والقبول والدعم يمثل جزءًا أساسيًا من الظروف النفسية التي تساعد الإنسان على النمو والمشاركة.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا قد تكون مجموعات الدراسة والمناقشات العلمية والمجتمعات التعليمية مفيدة. فالإنسان لا يحصل منها على المعلومات فقط، وإنما يحصل أيضًا على أسئلة جديدة ووجهات نظر مختلفة وشعور بأنه جزء من عملية معرفية مشتركة.
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد المشكلة هي العثور على الإجابة😶
أحدثت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تغييرًا كبيرًا في طريقة الوصول إلى المعرفة. أصبح بإمكان الطالب الحصول على شرح أولي لموضوع معقد خلال ثوانٍ، لكن هذا التطور لا يلغي الحاجة إلى التعلم؛ بل يجعل بعض مهاراته أكثر أهمية.
فالحصول على إجابة ليس مساويًا لمعرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة. يستطيع النظام الرقمي أن يقدم تفسيرًا، لكن الطالب ما زال بحاجة إلى السؤال عن مصدر المعلومة، والتحقق من الأدلة، ومقارنة المصادر، والتمييز بين الرأي والنتيجة العلمية، ومعرفة حدود ما يمكن استنتاجه من الأدلة.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن التعليم في عصر وفرة المعلومات ينتقل تدريجيًا من التركيز على الوصول إلى المعلومات إلى التركيز على تقييم المعلومات واستخدامها بطريقة صحيحة. وهذا لا يعني أن الحفظ فقد قيمته، بل يعني أن الحفظ وحده لا يكفي لبناء القدرة على التفكير والتحليل.
المعرفة التي لا تنتهي عند الإجابة
التعلم الجيد لا ينتهي بالضرورة عندما نحصل على إجابة؛ ففي كثير من الأحيان تكون الإجابة الجيدة سببًا في ظهور سؤال أكثر تعقيدًا. عندما يفهم الطالب مبدأً علميًا معينًا، قد يبدأ في التساؤل عن تطبيقاته وحدوده والاستثناءات التي يمكن أن تحدث معه. ومع مرور الوقت، ينتقل من مرحلة جمع المعلومات إلى مرحلة بناء شبكة من العلاقات بين الأفكار.
وهنا يظهر اختلاف مهم بين استهلاك المحتوى والتعلم. قد يشاهد الإنسان عشرات الفيديوهات التعليمية دون أن يستطيع تطبيق ما شاهده، بينما قد يقرأ فقرة واحدة ثم يستخدمها في حل مشكلة حقيقية. لذلك لا يمكن قياس التعلم بعدد الصفحات المقروءة أو الساعات التي قضاها الطالب أمام الشاشة فقط، بل ينبغي النظر إلى ما تغير في فهمه وقدرته على التطبيق والتفسير.
ماذا يمكن للطالب أن يفعل؟
لا يحتاج تحسين التعلم دائمًا إلى نظام معقد. يمكن للطالب أن يبدأ بجعل كل جلسة تعلم مرتبطة بسؤال واضح. بدل أن يقول "سأقرأ الفصل الثالث"، يمكنه أن يسأل: ما الفكرة التي أريد أن أفهمها في هذا الفصل؟ وبعد القراءة يمكنه محاولة شرحها بكلماته الخاصة، ثم البحث عن مثال يطبقها، وأخيرًا طرح سؤال جديد ناتج عما تعلمه.
بهذه الطريقة تصبح عملية التعلم دائرة متكررة: سؤال، ثم بحث، ثم فهم، ثم تطبيق، ثم سؤال جديد. وهذه الطريقة لا تجعل الدراسة أكثر سهولة بالضرورة، لكنها تجعلها أكثر معنى؛ لأن المتعلم يعرف لماذا يبحث وماذا يريد أن يكتشف.
الاستنتاج
في عالم أصبحت فيه المعلومات متاحة بصورة غير مسبوقة، لم يعد التحدي الأكبر هو الوصول إلى المعرفة، وإنما القدرة على اختيارها وفهمها وتقييمها والاستمرار في تطويرها. وتوضح أبحاث الدافعية أن الإنسان لا يتعلم فقط استجابة للدرجات والمكافآت والعقوبات، بل يتأثر أيضًا بشعوره بالاستقلالية والكفاءة والارتباط بالآخرين (Deci et al., 1991; Niemiec & Ryan, 2009; Ryan & Deci, 2020).
لذلك قد لا يكون السؤال الأهم هو: كيف أجبر نفسي على الدراسة؟ وإنما: كيف أجد شيئًا يستحق أن أفهمه؟ فعندما يرتبط التعلم بفضول حقيقي، ويشعر الإنسان بأنه يتقدم، ويمتلك قدرًا من الاختيار، ويجد بيئة تشجعه على البحث، يمكن أن يتحول التعلم من مهمة تنتهي بانتهاء الاختبار إلى عادة معرفية تستمر معه طوال حياته.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي ووفرة المعلومات، قد تكون القيمة الحقيقية للمتعلم ليست في أن يعرف كل الإجابات، وإنما في أن يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح، وكيف يبحث عن الإجابة، وكيف يختبرها، ومتى يحتاج إلى البحث من جديد.
مراجع:
:References
Deci, E. L., Vallerand, R. J., Pelletier, L. G., & Ryan, R. M. (1991). Motivation and education: The self-determination perspective. Educational Psychologist, 26(3–4), 325–346. https://doi.org/10.1207/S15326985EP2603&4_6
Loewenstein, G. (1994). The psychology of curiosity: A review and reinterpretation. Psychological Bulletin, 116(1), 75–98. https://doi.org/10.1037/0033-2909.116.1.75
Niemiec, C. P., & Ryan, R. M. (2009). Autonomy, competence, and relatedness in the classroom: Applying self-determination theory to educational practice. Theory and Research in Education, 7(2), 133–144. https://doi.org/10.1177/1477878509104318
Ryan, R. M., & Deci, E. L. (2020). Intrinsic and extrinsic motivation from a self-determination theory perspective: Definitions, theory, practices, and future directions. Contemporary Educational Psychology, 61, 101860. https://doi.org/10.1016/j.cedpsych.2020.101860